ابن سبعين
109
رسائل ابن سبعين
وقهر النفس على ذلك . ونقول الورد : تحصيل الوسائل ، والسرور : توفية شروطها ، والكدر : اختلال الشروط . ونقول : الورد : إدراك التوحيد ، والسرور : فناء الموحّد ، والكدر : وجود الشفع . ونقول : الورد : قطع خبر الفناء ، والسرور : وجود السكينة ، والكدر : مدافعة الأوهام ، وهذا فيه الكفاية ، فافهم . قوله رضي اللّه عنه : والغرض بحول اللّه في تحصيل الكمالات وأسبابها . الغرض : هي الإشارة المنصوبة ، وكأنه هو المقصود الذي يعمل المتوجه على إصابته بسهم التوجه ، فالمتوجه : هو الرامي ، والرمي : هو التوجه ، والغرض : هو المقصود المتوجه إليه ، فكأنه قال : القصد بحول اللّه تعالى في الكمالات وأسبابها ، والكمالات تطلق على أنحاء ، وإن كان حدها حدّا واحدا ، ولكن وجودها في الكامل مختلفة الرتب . وحدّ الكمال هو الذي لا يقبل الزيادة ، ويختل بالنقصان ، كما حدّه سيدنا رضي اللّه عنه ، وهو يتعين بالنظر إلى مذهب أو بالنظر إلى مطلوب الشخص ، ولا يعقل إلا في شيء له غاية ووسط ومبدأ . كما تقول : كملت الآحاد من العدد إذا بلغت العشرة ، وكملت العشرات إذا بلغت المائة ، وكملت المئون إذا بلغت الألف ، ونقول : فقيه كامل إذا بلغ الغاية في معرفة أحكام المكلفين ، وطبيب كامل إذا بلغ من الطب مبلغا لا يمكن أن يزاد عليه . والكلام في الكمال البسيط ، والنقص البسيط ، والذي يكون بالإضافة إلى مذهب وإلى رجل قد ذكره سيدنا رضي اللّه عنه في « نتيجة الحكم » ، فانظره حيث ذكر ، وهو يغنينا عن ذكره في هذا الموطن ، ولكن نذكره منه هنا ما دعت إليه الضرورة ، فنقول : الذي أشار إليه رضي اللّه عنه في هذا الموضع : هو الكمال الإنساني ، وهو واحد بالنظر إلى ماهية الإنسان ، كثير بالنظر إلى لواحقه وكونه . قال : « في تحصيل الكمالات » دل على أنها كثيرة ، ولمّا أن كان قانونه يقتضي حصر القوانين ، وإهمال ما لا فائدة فيه منها ، وتخصيص المذاهب الخمس المعتبرة ، وتكميل الأربعة الناقصة ، وتقرير الواحد الكامل ، والحث على مذهبه قال : والغرض بحول اللّه تعالى في تحصيل الكمالات ، وذلك أن سيدنا رضي اللّه عنه قد اطلع على القوانين المتقدمة كلها : الشرعية والفلسفية والأدبية ، وحصر الكتب المنزلة منها والغير منزلة ، من أول مبدأ العالم إلى وقتنا هذا ، وعرف مجملها ومفسّرها ، ومهملها ومخصصها ، وفك غوامضها ، وخصص منها خمسة مذاهب ، وأهمل ما دونها ، وذكر إنه ما ينبغي أن تذكر ، ولا تجمل مخاطبتها ، ورتب